القرطبي

53

التذكرة في أحوال الموتى وأمور الآخرة

حتى ينجّى ، حتى إذا فرغ اللّه من القضاء بين العباد ، وأراد أن يخرج برحمته من أراد من أهل النار ، أمر الملائكة أن يخرجوا من النار من كان لا يشرك باللّه شيئا ، ممن أراد اللّه أن يرحمه ممن يقول : لا إله إلا اللّه ، فيعرفونهم في النار بأثر السجود ، تأكل النار بن آدم إلا أثر السجود ، وحرّم اللّه على النار أن تأكل أثر السجود ، فيخرجون من النار قد امتحشوا فيصبّ عليهم ماء الحياة فينبتون منه كما نبتت الحبة في حميل السيل » وذكر الحديث « 1 » . وخرّج عن جابر قال : قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « إن قوما يخرجون من النار يحترقون فيها إلا دارت وجوههم حتى يدخلوا الجنة » « 2 » . فصل هذا الحديث أدلّ دليل على أن أهل الكبائر من أهل التوحيد لا تسودّ لهم وجوه ، ولا تزرقّ لهم أعين ، ولا يغلّون ، بخلاف الكفّار ، وقد جاء هذا المعنى منصوصا في حديث أبي هريرة قال : قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « إنما الشفاعة يوم القيامة لمن عمل الكبائر من أمتي ثم ماتوا عليها ، فهم في الباب الأول من جهنم لا تسودّ وجوههم ، ولا تزرقّ أعينهم ، ولا يغلّون بالأغلال ، ولا يقرنون بالشياطين ، ولا يضربون بالمقامع ولا يطرحون في الإدراك ، ومنهم من يمكث فيها ساعة ثم يخرج ، ومنهم من يمكث فيها يوما ثم يخرج ، ومنهم من يمكث فيها شهرا ثم يخرج ، ومنهم من يمكث فيها سنة ثم يخرج ، وأكثرها مكثا فيها مثل الدنيا منذ خلقت إلى يوم أفنيت ، وذلك سبعة آلاف سنة » الحديث بطوله وسيأتي تمامه - إن شاء اللّه تعالى - خرّجه الترمذي في « نوادر الأصول » . وقال أبو حامد في كتاب « كشف علوم الآخرة » : إنه يؤتى بأهل الكبائر من أمة محمد صلى اللّه عليه وسلم شيوخا وعجائز وكهولا ونساء وشبابا ، فإذا نظر إليهم مالك خازن النار ، قال من أنتم معاشر الأشقياء ما لي أرى أيديكم لا تغل ، ولم توضع عليكم الأغلال والسلاسل ولم تسود وجوهكم وما ورد عليّ أحسن منكم ؟ فيقولون : يا مالك نحن أشقياء أمة محمد صلى اللّه عليه وسلم دعنا نبكي على ذنوبنا . فيقول لهم : ابكوا فلن ينفعكم البكاء . فكم من شيخ وضع يده على لحيته ويقول : وا شيبتاه وأطول حسرتاه وا ضعف قوتاه ، وكم من كهل ينادي وا مصيبتاه وأطول مقاماه . وكم من شاب ينادي وا أسفاه شباباه على تغيير حسناه ، وكم من امرأة قد قبضت على ناصيتها وشعرها وهي تنادي وا سوأتاه واهتك أستارها ، فيبكون ألف عام ، فإذا النداء من قبل اللّه : يا مالك أدخلهم النار في أول باب منها ، فإذا همت النار أن تأخذهم فيقولون بجمعهم : لا إله إلا اللّه فتنفر عنهم النار خمسمائة عام ، ثم يأخذون في البكاء فتشتد أصواتهم ، وإذا النداء من

--> ( 1 ) تقدّم تخريجه . ( 2 ) أخرجه مسلم ( 191 ) .